خاص Lebanon On Time _ خالد أبو شام
تعيش مدينة طرابلس مأساة صامتة تتراكم فصولها يومًا بعد يوم، في ظل أبنية آيلة للسقوط، وفقر يطوّق الأحياء، وعائلات تُبلَّغ بقرارات إخلاء من دون أي بدائل واقعية. فعندما تصدر أوامر الإخلاء، يبدو المشهد أقرب إلى نكتة سوداء: إلى أين يذهب السكان؟ المدن المجاورة تعاني ضغطًا سكانيًا خانقًا، الإيجارات تفوق القدرة، والأقارب غارقون في الأزمة نفسها، ما يجعل البقاء تحت الخطر خيارًا “واقعيًا” لكثيرين، حيث يصبح الموت أهون من التشرد.
الدولة على علم بالواقع. التقارير الهندسية موجودة، والملفات واضحة، ومع ذلك تُترك المدينة لمصيرها. لا حماية عمرانية، ولا شبكة أمان اجتماعي، وملفات تُحفظ في الأدراج، مقابل مساعدات موسمية ذات طابع انتخابي بلا أي أثر تراكمي.
في هذا الفراغ، يتضخم كل شيء: الجوع، الشعور بالإهانة، والأسئلة الوجودية حول الجدوى. يتكرّس شرخ عميق بين المدينة والدولة، ويولّد هذا التفاوت إحساسًا متزايدًا بالإقصاء. فعندما يتحوّل الألم إلى ورقة قوة في مكان فيُكافأ، ويُهمل في مكان آخر، تتآكل فكرة الدولة نفسها، ويضعف الرابط العام، ليبدأ البحث عن أي إطار بديل يمنح الأمان أو المعنى.
عندها، تنشط شبكات بديلة: جمعيات رمادية بتمويل غامض، ووسطاء عابرون للمناطق والحدود، وتُفتح مسارات خطرة يجد فيها الخطاب الديني أو الأيديولوجي طريقه إلى الأحياء المهمّشة. ثم يأتي الإعلام ليختصر المشهد بتهمة جاهزة: “تطرّف”، من دون العودة إلى الأسباب العميقة التي صنعت هذا الواقع.
المفارقة أنّ طرابلس، عاصمة الشمال، ليست مدينة فقيرة بالموارد البشرية أو المالية. فقد أنجبت أثرياء، ورؤساء حكومات، ونخبًا اقتصادية، إلا أنّ هذا الحضور لم يتحوّل يومًا إلى مشروع إنمائي متكامل. خرج المال منها، وخرج القرار منها، ولم تعد التنمية إليها، وكأنّ النجاح الفردي حلّ مكان المسؤولية الجماعية.
ما يجري اليوم ليس أزمة أبنية فحسب، بل أزمة دولة بكل ما للكلمة من معنى. هو تفكّك متراكم في العقد الاجتماعي، وانهيار في العلاقة بين السلطة وجزء كامل من مواطنيها، حيث تختار الدولة أين تستثمر التعاطف، وأين تترك الناس يواجهون مصير الجدران المتداعية وحدهم.
أبنية طرابلس لا تطلب شفقة، بل تطلب دولة تتذكّر أن المدن أيضًا مواطنون. وطرابلس وعكار لا تطلبان امتيازات، بل عدالة في التوزيع، وحضورًا رسميًا فاعلًا، وخطة إنقاذ حقيقية، قبل أن تتحوّل المسافة مع الدولة إلى قطيعة مفتوحة، وربما إلى تقاطعات أخطر، يصبح عندها أي طرح سياسي صادم سؤالًا مطروحًا لا مجرّد تصريح عابر.
Lebanon on time جريدة الكترونية مستقلة