جريدة الكترونية تأسست
1/1/2015
الرئيسية / أبرز الأخبار / الحريري في بيروت… ولبنان أمام “أزمة مفتوحة”
الحريري

الحريري في بيروت… ولبنان أمام “أزمة مفتوحة”

هي مصادفةٌ بالغةُ الرمزيةِ أن يَترافق عيد الاستقلال الـ 74 الذي يحييه لبنان اليوم مع وقوفه على مَشارف منعطفٍ مفصلي في مسار الصراع من حوْله وعليه وتَحوُّله «رهينة» العواصف الإقليمية التي يرتبط بها عبر عناصر لها امتدادات الى «حرب النفوذ» بين اللاعبين في المنطقة وأخرى ذات صلة بوضعيّة الدولة في ذاتها التي تتجاذبها إشكالياتٌ محورها السلاح خارج الشرعية وضعتْ البلاد في مهبِّ مواجهاتٍ خارجية يُخشى أن تستجرّ أزمة داخلية مفتوحة على شتى الاحتمالات.

واليوم بعودة رئيس الحكومة سعد الحريري إلى بيروت للمرة الاولى منذ تقديم استقالته في 4 الجاري من الرياض، يَنتظر لبنان أن يَنجلي، بعد احتفالات الاستقلال (العرض العسكري ثم الاستقبال في القصر الجمهوري)، الغموض الكثيف الذي لفّ المشهد السياسي حيال ما بعد هذه العودة، لتطوى فعلياً صفحة الأسئلة الكثيرة وتنطلق مرحلة محكومة بسقوف عالية خارجية لم يعد متاحاً إدارة الظهر لها وتحديداً لجهة عدم إمكان الاستمرار بـ «قواعد اللعبة» السابقة التي أتاحت لـ «حزب الله» قضْم التسوية السياسية التي كانتْ أنهتْ الفراغ الرئاسي قبل عام ونيف والمضيّ في أجندته الاستراتيجية كذراع رئيسية لمشروع التمدُّد الإيراني في المنطقة الذي بات التصدّي له هدفاً عربياً – دولياً رئيسياً.

وفيما كانت الأنظار شاخصةً أمس على القاهرة التي انتقل إليها الحريري مساءً من باريس حيث التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أن يتوجّه الى بيروت حيث سيشارك اليوم في احتفالات الاستقلال التي تسبق احتفاءً شعبياً يقيمه مناصروه له ويفترض أن يضع خلاله النقاط على حروف مسار المرحلة المقبلة، فإن غباراً كثيفاً بقي يخيّم على ما سيحمله رئيس الحكومة في غمرة الأدوار التي تضطلع بها كل من فرنسا ومصر على خط أكثر من عاصمة عربية واقليمية ودولية، في محاولةٍ لايجاد مَخارج تُوازِن بين ضرورات حفْظ الاستقرار الداخلي وموجبات «ضبط إيقاع» انخراط «حزب الله» في أكثر من ساحة عربية.

وعشية حلول «ساعة الحقيقة» في ما خص استقالة الحريري، ترى أوساط سياسية مطلعة عبر «الراي» انه ابتداءً من اليوم تنتهي «صلاحية» عنوان «عودة رئيس الحكومة» الذي استخدمه فريق «8 آذار» (حزب الله وحلفاؤه) لفرْملة مفاعيل «الصاعقة الحريرية»، لتبدأ مواجهة المعنى السياسي للاستقالة التي بات لها «أغلفة» عربية ودولية تضعها على تَقاطُع رئيسي مع المواجهة مع إيران ونفوذها.

وحسب هذه الأوساط، فإن الحريري العائد الى بيروت بسقف قرار وزراء الخارجية العرب المتعلّق بتدخلات إيران و«حزب الله الإرهابي الشريك في الحكومة اللبنانية» والذي شكّل جسراً للعبور بملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي، يتّجه في إطار استكمال ما سبق أن وصفه بـ «الصدمة الإيجابية» التي أرادها من الاستقالة الى إحداث «فكّ ارتباطٍ» مع مرحلة ما قبل 4 نوفمبر ومع التسوية بنسختها الأولى كمدْخلٍ ضروري لمحاولة بلوغ «تسوية نهائية» كان عبّر عن مرتكزاتها بنفسه على قاعدة معالجة البُعد الاقليمي لسلاح «حزب الله» وأدواره في العالم العربي واستئناف الحوار الداخلي حول البُعد اللبناني لهذا السلاح وإبعاد لبنان عن لعبة المَحاور.

وفي رأي الأوساط نفسها، أنه يصعب تَصوُّر أن يؤخّر الحريري تقديم استقالته أو يترك الباب مفتوحاً أمام إمكان العودة عنها، لافتة الى أن تثبيت هذه الاستقالة سريعاً من شأنه أن يمنح قوة دفْع لخطوته الدراماتيكية التي لم يعد ممكنا التراجع عنها في ظل المناخ العربي والدولي الذي وفّر لها «مقويات» فإما تحقق غايتها او ترسم خطاً فاصلاً بين مرحلتين.

ولاحظتْ الأوساط أنّ «حزب الله» وحلفاءه يسعون إلى احتواء اندفاعة الحريري ببُعديها الداخلي والخارجي عبر إشارات مرونة في الشكل في محاولة للحفاظ على «الستاتيكو» الحالي، وهو ما تجلّى في استباق الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله وصول رئيس الحكومة بنفيه أي دور للحزب في اليمن وإعلان انه ليس مسؤولاً عن الصاروخ الذي أطلق من اليمن على الرياض والإيحاء باستعداده للعودة من العراق، قبل أن يؤكد الرئيس الإيراني حسن روحاني في الاتصال الهاتفي الذي أجراه به الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون أن بلاده لا تسعى الى الهيْمنة على الشرق الأوسط، ويُنقل عنه ان «حزب الله» جزء من الشعب اللبناني وسلاحه دفاعي فحسب.

وفي السياق نفسه، وجّه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف رسالة إلى نظيره اللبناني جبران باسيل شدد فيها على «وجوب إتاحة الفرصة لفخامة الرئيس ميشال عون والمؤسسات الدستورية الشرعية لاتخاذ القرارات المناسبة، وفقا لمقتضيات المصلحة الوطنية بعيداً عن الهواجس والضغوط الخارجية وعن الأساليب التحريضية، والسعي لفرض آراء خارجية على شعب وسيادة لبنان».

وفي حين تعاطت بعض الدوائر في بيروت مع هذه الإشارات على أنّها في سياق ملاقاة الوساطة التي تضطلع بها باريس، ملاحِظة ان طهران وبعد موقفها المتشدد حيال الموقف الفرنسي من برنامجها البالستي وأدوارها المزعزعة للاستقرار في المنطقة تبدو وكأنّها لا تمانع استمالة فرنسا على حساب الولايات المتحدة، فإن الأوساط المطلعة عيْنها ترى ان من الصعوبة بمكان تأخير تقديم الحريري استقالته وجهاً لوجه الى رئيس الجمهورية أو تَجاهُل الحاجة للانتقال الى نسخة جديدة من التسوية، مشيرة الى ان فريق«حزب الله» سيقتنع تباعاً بأنه بات أمام«حريري ثانٍ»، فإما ملاقاته بشروط كافية لتجنيب البلاد أثماناً باهظة وإما أزمة حكومية – سياسية مفتوحة.
“الراي”