جريدة الكترونية تأسست
1/1/2015
الرئيسية / أبرز الأخبار / بين زمن بسيط… وحاضر فاقد للطمأنينة
IMG-20260421-WA0003

بين زمن بسيط… وحاضر فاقد للطمأنينة

كتب محسن السقال – Lebanon On Time :

تتبدل تفاصيل الحياة مع مرور الزمن وتبقى الحيرة في نفس الاشخاص، هل تقدمنا فعلا، أم ابتعدنا عن تلك البساطة التي كانت تصنع معنى السعادة

اذا قررنا ان نستعيد معا ملامح زمن مضى، حيث كانت الحياة أبسط وأكثر فرحا ودفئا.

في الماضي، كان المطبخ قلب المنزل النابض، بمحتوياته المتواضعة كـ“النملية” أو البراد الصغير، تُحضر امهاتنا فيه الوجبات بحب، وتلتف العائلة حول مائدة بسيطة ومتواضعة، يشبع فيها الجميع ويرضون بفرح، أما اليوم، فقد اتسعت المطابخ وتعددت الثلاجات، لكن حل الطعام الجاهز مكان العادات الجميلة، وغابت نكهة الأم وروح المشاركة العائلية.

ولم تكن الراحة يوما مرتبطة بكلفة الأثاث، إذ كان النوم على الأرض كافيا ليمنح الناس هدوءا عميقا ونوما هنيئا، وكان السرير الواحد يتسع لأكثر من أخ واخت في الليل، فينامون عليه معا بفرح وبساطة، وضيق المساحة لا ينتقص من دفء اللحظة ولا من روح الألفة بينهم.

فيما تحولت اليوم الفرش الفاخرة إلى مصدر قلق وأرق لدى كثيرين، واصبح كل فرد بالعائلة يريد غرفة وسريرا لوحده، فاتسعت المساحة وفقدنا روح الالفة والمحبة.

كذلك، كان التلفزيون الواحد والمحطة الوحيدة تجمع أفراد الأسرة حول برامج ينتظرها الجميع، من الصغير إلى الكبير، بفرح وترقب، أما اليوم، فقد تعددت الشاشات، وأصبح لكل غرفة تلفزيون، ما عزّز العزلة داخل البيت الواحد.

صحيا، لم يكن الناس يتحدثون كثيرا عن اللياقة، لكنهم عاشوا بعفوية وتمتعوا بصحة جيدة، أما اليوم، فباتت الامراض شائعة اكثر.

وينسحب هذا التحول على التعليم أيضا، فبعد أن كانت الدراسة تتم على ضوء القنديل أو الشمعة، وكان النجاح يحتفل به ببساطة ويقدر بجدارة، أصبح اليوم مثقلا بالدروس الخصوصية والكلفة المرتفعة، من دون نتائج موازية في كثير من الأحيان، وكل شهادة ينالها معظم الطلاب في يومنا هذا تترافق باطلاق الاعيرة النارية والاهازيج والاضواء، مع العلم ان هذه الشهادات تفتقر أحيانا عديدة من حامليها إلى العلم والمعرفة الحقيقية.

اجتماعيا، كانت العائلات أكبر عددا، لكنها أكثر ترابطا؛ الأخ الكبير يساند أخاه الأصغر، والأخت تشارك في تحمل المسؤولية، وكان الفرح جماعيا رغم ضيق الحال.

أما اليوم، فقد تقلّص عدد الأولاد في الأسرة، لكن النزعة الفردية طغت، وبات كل فرد يعيش لنفسه أكثر من أي وقت مضى.

كما تغيرت مظاهر الحياة اليومية، فبينما كانت السيارات قليلة وبسيطة وتشترى لتلبية الحاجة، نشهد اليوم كثرة في عددها وتنافسا في فخامتها، والتباهي بين الشباب، ما يعكس تحولا في الأولويات وأنماط العيش بين الاجيال الطالعة.

أما البيوت، فكانت صغيرة لكنها مفتوحة للجميع، تستقبل الضيوف بلا مواعيد، تضج بالحياة. في المقابل، أصبحت المنازل اليوم أكثر اتساعا، لكنها أكثر انغلاقا، تنظم زياراتها بمواعيد مسبقة، وتسكن معظم غرفها العزلة والصمت.

بين الأمس واليوم، لا يقتصر هذا المشهد على مجرد مقارنة عابرة، بل يطرح تساؤلا جوهريا: هل ربحنا التقدم التكنولوجي وخسرنا الفرح الداخلي؟ وهل فقدنا دفء العائلة وترابطها، وتلك البساطة التي كانت تصنع المحبة والسعادة الحقيقية؟
فعلا كنا في زمن مضى، كانت التفاصيل الصغيرة كفيلة ببث الفرح في البيوت، أما اليوم فقد ازدحمت الحياة بالوسائل والتطورات، لكن كثيرا من الناس باتوا يبحثون عن السعادة ذاتها التي كانت يوما ما أقرب وأبسط.. وانا واحد منهم اتمنى ان تعود تلك الحقبة الجميلة..