جريدة الكترونية تأسست
1/1/2015
الرئيسية / أبرز الأخبار / سماء لبنان تتكلّل بعشرة أوسمة… وترابُه يحتضن أبطال ساحة الشرف
09-09-17-Untitled-5_3_

سماء لبنان تتكلّل بعشرة أوسمة… وترابُه يحتضن أبطال ساحة الشرف

عشرة أوسمة عَلّقت سماءُ لبنان على كتفها أمس. شهداءُ نجومٌ ارتفعوا إلى فوق… بعدما ضاقَ الميدان ببطولاتهم وسكِرت الجبهات من انتصاراتهم، وارتجفَت الأرض تحت أقدامهم، وتباهتِ التلال بجِباههم… فاختارهم الله نيشاناً يُزّين بهم رحابَه. المؤهّل ابراهيم مغيط، الرقيب علي المصري، الرقيب مصطفى وهبي، العريف سيف ذبيان، العريف محمد يوسف، الجندي خالد حسن، الجندي حسين محمود عمار، الجندي علي الحاج حسن، الجندي عباس مدلج، الجندي يحيى علي خضر… أغمضوا عيونَهم فانبلج فجرٌ جديد للبنان. بعد أكثر من 3 سنوات على اختطافهم، مشوا معاً في رحلتهم الأخيرة من المستشفى العسكري إلى وزارة الدفاع مروراً بالخيمة في ساحة رياض الصلح وصولاً إلى معانقتِهم الترابَ، كلٌّ في مسقط رأسه. عرسٌ وطنيّ طويل شهدَه لبنان يوم أمس، رقصَ فيه اللبنانيون كالطيور المذبوحة من شدّةِ الألم في وداع شهداء ساحة الشرف.إنتظرَ الأهل أولادهم العسكريّين يُطلّون بعضلاتهم المفتولة، وقاماتهم الممشوقة، وهاماتهم العالية، واشتهوا رفعَ غُبارِ المعركة عن نِعالهم، وتمنّوا مسحَ عرقِ النضال عن جِباههم… وإذ بأولادهم يُطلّون بنعوشٍ ملفوفة بعلم لبنان محمولين على أكتاف رفاق السلاح.

لحظةٌ غُرِزت كسكّين في أعناق الأهالي، ارتعشَت لهولِها الأحشاء، فصرَخت الأمّهات «يا إبني»، فيما استَسلم الآباء لدموع حبَسوها سنوات، تكابَروا عليها، احتالوا في إخفائها… إلى أن تحرَّروا منها قبل أن تخنقَهم.

هكذا بدا أوّلُ لقاءٍ بين الأهالي وأولادهم الشهداء، في تلك اللحظة تمنّوا ألف مرّةٍ العودةَ إلى الوراء لمعانقةِ أرواحٍ ما عَلموا للحظةٍ أنّها قد تُفارقهم في ليلةٍ ظلماءَ فيها يُفتقد البدر.

«جينا نزِفّ العريس»

المحطة الأولى كانت في المستشفى العسكري، قرابة الثامنة والنصف صباحاً وُضِعت الجثامين العشرة في السيارات المخصَّصة لها، مغطاةً بالعَلم اللبناني، مرفقةً بأكاليل زهرٍ وغار ولوحةٍ صغيرة محفورٍ عليها اسمُ كلّ شهيد. بعدها عزَفت ثلّة من القوى العسكرية موسيقى التعظيم ونشيد الموت، ثمّ الوقوف دقيقة صمت، قبل أن يؤدّي الضبّاط الكبار التحيّة، وينطلق الموكب في اتّجاه وزارة الدفاع.

كانت ساحة الرئيس فؤاد شهاب في وزارة الدفاع قد ازدانت براية لبنان وعلمِ الجيش اللبناني، ووسط تدابير أمنية مشدّدة بدأ الصحافيّون بالوصول وكذلك الشخصيات الرسمية والروحية والاجتماعية. فيما وصَل الأهالي تباعاً «ع آخِر نفَس»، أمٌّ تُعانق صورةَ ابنِها، أخرى تُمسِك سلّة ورودٍ وأرزّاً بيديها، «جينا ناخُد العريس»، «جينا نزِفّو بطل» على حدّ تعبيرهن.

خيَّم على ساحة وزارة الدفاع حزنٌ يَنفحُه العنفوان وسط صمتٍ دامس، واكتساحٍ للّون الأسود، وحدها السجّادة الحمراء كسَرت رتابة المشهد الداكن، مُتلهّفة لتدوسَها أقدام الأبطال.

عند العاشرة اكتملَ المشهد، على المنصّة رئيس الجمهورية ميشال عون يتوسّط الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري، تليهم مرجعيات روحية وقيادات أمنية، وعن اليمين وعن اليسار تَوزَّع الأهالي بحسب قراهم، وعلى بُعد نحو 200 متر ثُـبِّتت 10 طاولات مغطّاة بشراشفَ بيضاء، وفوق كلّ واحدة صورةٌ لشهيد.

يُلوّحون من نعوشهم

قُرعت الطبول إعلاناً لدخول جثامين الشهداء، فتأهّبَ الجميع لاستقبالهم، سابقَ دمعُ الأهالي الموسيقى الحزينة التي صَدحت في أرجاء الوزارة. وكاد الشهداء وهم يَدخلون على أكتاف رفاقهم يطلّون برؤوسهم من خلفِ نعوشهم ملوِّحين لأهلهم، مودّعين زوجاتهم، مُكفكِفين الدموع في عيون أولادهم… أدرَكت وضحة زوجةُ الشهيد خالد مقبل حسن أنّها وللمرّة الأخيرة يتسنّى لها معانقةُ زوجِها من بعيد، فلم تجد تعزيتَها سوى في فروةِ رأسِ ابنِها الذي لم يُفارق حضنَها، فمشّطت خصلاتِ شعره بأناملها وعيونُها ملتصقة بالنعش، بالأمس راقصَت عريسها واليومَ تعيش مع طيفِه.

فيما ابنُها وقفَ مذهولاً بما يرى، وألفُ علامة استفهام على ملامحه: «ماما وين البابا؟»، فأشارَت له بإصبعها من بعيد، فبادرَها: «ماما كيف قادرا تشوفيه؟» فاستَسلمت وضحة للصمت وهي تمسَح خدّيها.

بعدها تمّ تقديم نبذةٍ عن كلّ شهيد، قبل أن تُقام مراسمُ تقليد الأوسمة من رئيس الجمهورية، على وقع أغنية تِسلم يا عسكر لبنان». وقد مُنِح الشهداء وسامَ الحرب، وسامَ الجرحى ووسامَ التقدير العسكري، قبل أن يقفَ الحضور دقيقة صمت، لتعلو بعدها صرخة رفاق السلاح 3 مرّات «لن ننساهم أبداً».

الجنرال عون

وسط أجواءٍ من التأثّر اقترَب قائد الجيش العماد جوزف عون من الأهالي مسَلّماً عَلم لبنان لكلّ عائلة، بعدها توجَّه إلى المنصّة ملقِياً كلمته. وأبرزُ ما جاء فيها: «فرحتُنا بالانتصار على الإرهاب تبقى حزينة، فقد كنّا نأمل ونعمل على تحريركم من خطفِ الإرهاب سالمين، لتعودوا إلى جيشكم وعائلاتكم وتُشاركونا هذا الإنجاز التاريخي، إلّا أنّ يد الإرهاب الوحشي خافت من الإيمان الراسخ بوطنكم، فَأَخفَتكم شهداءَ أجِلّاءَ تحت تراب الوطن الذي ارتوى من دمائكم الطاهرة».

وأضاف: «في حضرتكم أيّها الشهداء يتسابق الخشوع مع الافتخار، وأمام نعوشكم يتوجّب الانحناء إجلالاً، لكنّنا دائماً وأبداً سنبقى مرفوعي الرأس بكم وبتضحياتكم، فأنتم وسامٌ يُعلَّقُ على صدور الضبّاط والرتباء والأفراد الذين خاضوا «فجر الجرود»، لأنّكم أوّلُ المضحِّين في هذه المعركة».

ولفتَ إلى أنّه «على الرغم من أهمّية هذا الإنجاز التاريخي، لن ننسى ولن يسهوَ عن بالنا خلايا الإرهاب السرطانية النائمة، التي قد تسعى إلى الانتقام لهزيمتها، وطردها بمختلف الأساليب وفي مقدّمها أسلوب الذئاب المنفردة، وهذا يتطلب منّا البقاءَ متيقّظين وحاضرين للتصدّي لها والقضاء عليها».

وتوجَّه عون إلى عائلات الشهداء بالقول: «أبناؤكم الشهداء شركاء أساسيّون في صنعِ الانتصار، والفخرُ أنّهم أيقونة التحرير ودحر الإرهاب! والفخرُ أنّهم سكنوا قلوبَ اللبنانيين جميعاً، فبتضحياتهم خضنا «فجر الجرود»، وتوحَّد اللبنانيون حول الجيش وقدسيةِ مهمتِه، فكانت معركة شريفة ونظيفة وبطولية، نبراسُها تضحيات أبنائكم الشهداء!

سنواتُ الانتظار والأمل بعودة أبنائكم، كانت ثقيلة وقاسية عليكم، لكنّكم لم تفقدوا لحظةً ثقتكم بالمؤسسة العسكرية، وإيمانكم بالوطن الذي تهونُ في سبيله أغلى التضحيات».

وأضاف: «على الرغم من هذا الانتصار، لا تزال أمامنا تضحياتٌ كبرى لا تقلّ أهمّيةً عن دحرِنا للإرهاب العالمي، فالجيشُ سينتشر من الآن وصاعداً على امتداد الحدود الشرقية للدفاع عنها.

ولا يجب أن ننسى الإرهاب الأساسي والأهمّ الذي يتربَّص بحدود جنوبنا العزيز، ألا وهو العدو الإسرائيلي (…)، مؤكّداً في هذا الإطار «التزامَنا التامّ القرار 1701 ومندرجاته كافّةً والتعاون الأقصى مع القوات الدولية للحفاظ على استقرار الحدود الجنوبية».

ولفتَ إلى أنّ «ردَّ الجيشِ مستقبَلاً سيكون هو نفسه على كلّ من يحاول العبَث بالأمن والتطاولَ على السيادة الوطنية أو التعرّضَ للسِلم الأهلي وإرادة العيش المشترك، وسيكون الجيش على مسافة واحدة من مختلف الأطياف والفرَقاء وفي كلّ الاستحقاقات الدستورية، وفي أعلى الجهوزية للدفاع عن وطننا الغالي».

خيمة الوطن…

وبعد انتهاء مراسم التكريم في الوزارة غادرَت العائلات متوجّهةً إلى ساحة رياض الصلح وقد حرصَت على المرور مع مواكبِ الجثامين أمام الخيمة، نظراً إلى ما تحتضنه من رمزية.

فكانت الخيمة الشاهدةَ الصامتة والمتألمة لوجعهم طوال أكثر من 3 سنوات، الحاضنة لأملِهم وألمِهم، لخيباتهم وانتصاراتهم… ففي الليالي الماطرة احتموا تحت سقفها بانتظار عودة أبنائهم، وفي الحرّ لم يجدوا من يُثلِج صدورَهم سوى صورِ أبنائهم المعلّقة في زواياها.

وصَل الموكب قرابة الثانية إلّا عشر دقائق قبل الظهر، مزداناً بصوَر الشهداء، حيث كان أهالي العسكريين المحرّرين من جبهة النصرة، وأسراب من المواطنين متأهّبين لاستقبال الموكب.

على وقعِ نشرِ الوردِ والأرزّ عَبَر موكبُ الأهالي والأبطال، فأوقفهم المواطنون مراراً مقدِّمين لهم العزاءَ، مقبِّلين جباهَهم. أمّا نظام مغيط شقيقُ الشهيد إبراهيم أبى إلّا أن يترجّلَ من الموكب ويُقبّل صورةَ أخيه والشهداء كافّة المعلّقة والدموعُ تنهمر عرض وجنتيه، هو الذي قطعَ وعداً على نفسه ألّا تُفَكَّ الخيمة قبل عودة العسكريين. بعدها أكملت المواكب طريقها كلٌّ إلى مسقط رأس الشهيد حيث أقامت العائلات مأتماً شعبياً، والوداع الأخير.

صفحةٌ مؤلمة مغمَّسة بدماء الأبطال طويَت بعد أكثر من 3 سنوات، ملفّ تعانقَت فيه النهاية الحزينة التي يتجرّع مرارتَها الأهالي والنهاية السعيدة التي شهدت ولادةَ فجرِ الجرود مِن رحِم استشهاد العسكريين. «يا ملك النصر… وقِّف الساعة اللي جايي، لو تعرِف شو كلّف النصر!».

(الجمهورية)