جريدة الكترونية تأسست
1/1/2015
الرئيسية / أبرز الأخبار / مخاض القانون… أول النفق

مخاض القانون… أول النفق

تحت عنوان “مخاض القانون… أول النفق” كتب هتاف دهام في صحيفة “البناء: غداً يوم آخر. القوى السياسية ستجد نفسها أمام واقع انتخابي جديد يمليه القانون المستجدّ. بالكاد هذه القوى قادرة على فكّ طلاسمه، حيث ستكتشف سريعاً أن النسبية ليست كغيرها من الأنظمة الأكثرية إنما هي مولّدة مفاجآت وأنها ستكون في موقع يصعب معه ضبط إرادة الناخب والتحكّم بالنتائج.

في جلسة مجلس النواب أمس، برزت دعوة رئيس المجلس النيابي نبيه بري إلى الواقعية. القانون الذي أقرّ بالإجماع وبمادة وحيدة، هو أفضل الممكن، بحسب قوله. والتسوية التي أوصلت إلى إقراره قد تكون أنقذت ما يمكن إنقاذه.

لفت الصحافيين عدم اهتمام وزير الداخلية نهاد المشنوق بما تتمّ مناقشته. الحاضر في مقاعد الوزراء كان غائباً في الوقت نفسه. تركيزه المحدود على ما يدور من نقاشات وتبادل آراء بدا واضحاً. كلما حاول رئيس المجلس الاستفسار منه عن بند باعتباره المعني الأول كان يوجّه إليه السؤال مرتين. المشنوق في دنيا ثانية. ربما رمضان أثقل كاهله كحال الكثير من زملائه الذين كانوا كمن يريد “الصرفة”. قلة قليلة من الـ128 نائباً تفقه هذا القانون. هؤلاء “قلبوا” الأجواء هرجاً ومرجاً خلال تقديم النواب بطرس حرب وأحمد فتفت وسامي الجميّل ملاحظاتهم وآراءهم.

بدت المكوّنات السياسية المعترضة واضحة ومشخّصة. حزب الكتائب عبر رئيسه. اللقاء الديمقراطي عبر وزيره مروان حمادة ونائبيه وائل أبو فاعور وأكرم شهيّب. الجماعة الإسلامية عبر النائب عماد الحوت. المستقلون عبر النائب حرب. بعض من هؤلاء الأفرقاء مسرور في داخله، إلا أنّ نقده يرتبط بأسباب انتخابية وسياسية.

فما الذي يضير وزير الاتصالات السابق في قانون انتخابي على أساس النسبية مع 15 دائرة؟ وما الذي يضير حزب الكتائب الذي من المرجح أن ترتفع حصته الانتخابية؟ لكن على المقلب الجنبلاطي الثابت الوحيد أنّ هناك مشكلة حقيقية يعاني منها الحزب التقدمي الاشتراكي. ظهر حزب “بيك المختارة” في الجلسة كفريق خارج القوى المحدّدة مسارات القضايا الكبرى في لبنان. بيضة القبان لم تعد ذات جدوى مع اختلاط الأزرق – البرتقالي – الزيتي.

تحفّظ الحزب السوري القومي الاجتماعي على لسان النائب مروان فارس على القانون، لأنه لا ينطوي على أيّ نقلة نوعية متطوّرة. لا يحقق التمثيل الصحيح العادل. يفتقد إلى وحدة المعايير. جعل الصوت التفضيلي في القضاء. لم يسمح بخفض سنّ الاقتراع إلى 18 سنة. لم يتضمّن أيّ نصّ يضمن أن تكون اللوائح مختلطة.

هذه التحفظات منطقية من وجهة نظر “القومي”. لطالما نادى هذا الحزب بلبنان دائرة انتخابية واحدة على أساس النسبية وخارج القيد الطائفي. غير أنّ هذا الطرح ربما يكون صعب المنال، مع نعي رئيس المجلس النيابي في بداية الجلسة أيّ صيغة لا تحظى بالتفاهم. عندما رفع النائب عاصم قانصوه الصوت بقوله إنّ النسبية على أساس 15 دائرة صيغة طائفية تلبس لبوس النسبية، وأنّ النسبية لا تكون إلا لبنان دائرة واحدة. أجابه بري أنّ “قانون الانتخابات لا يمكن أن يكون إلا توافقياً وألا يؤدّي إلى خراب البلد”.

الأكيد أنّ طبيعة المرحلة المختلفة ستشهد عملية خلط أوراق. مشهد انتخابات 2009 وتكتل 14 آذار انتهى إلى غير رجعة. الخلاف بين بيت الوسط وبكفيا على أشدّه. العلاقة مقطوعة بينهما منذ تودّد الرئيس سعد الحريري للرابية (قبل الانتخابات الرئاسية). القلوب المليانة بين الكتائب والمستقبل تفجّرت أمس بين الرئيس سعد الحريري والنائب الجميّل على خلفية اتهام الأخير الحكومة بفرض التمديد لرشوة اللبنانيين والتعويض عن فشلها.

سؤال الشيخ سامي عن خفايا التمديد للمجلس عاماً إضافياً تبادر إلى ذهن غالبية اللبنانيين، وإنْ كان الكتائبيون مصرّين على اعتبار حكومة “استعادة الثقة” حكومة موبقات وفساد وصفقات. حكومة لم تعمد على مدى سبعة أشهر إلى مناقشة قانون انتخاب.

يجهد الجميّل لتقديم نفسه بشخصية المعارض المعترض الذي لا يترك أصغر تفصيل من دون الإضاءة عليه، إلى حدّ أنه يلبس ثوب الشهيد أمام الرأي العام لإقناع المسيحيين بأهليّته ليحشدوا له في صندوقة الاقتراع. يعاني نائب بكفيا من عقدتين: الأولى تتمثّل بقطيعة الشيخ سعد له واستخدامه ورقة عند “الحشرة”، كما فعل عندما رشح رئيس حزب القوات سمير جعجع العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية يومذاك. الثانية ترتبط بالتفاهم الماروني المناوئ له (القوات – التيار الوطني الحر). تحالف يتحكّم في السلطة من رأس الهرم وصولاً إلى الوزارة.

صبّت أكثر الانتقادات، خلال مداخلات طالبي الكلام، على الصوت التفضيلي المقيّد في القضاء والذي جوّف شيئاً من مفاعيل النظام النسبي. صوت تمسّك به وزير الخارجية جبران باسيل في الاجتماعات الأخيرة التي سبقت الاتفاق بطريقة كيدية، هكذا يجزم البعض.

برز “فاقعاً” تصفيق عدد من نواب كتلة الوفاء للمقاومة للنائب الكتائبي عندما تحدّث الأخير عن الصوت التفضيلي قائلاً “لنأخذ مثلاً البترون، لأنّ الهدف من هذا القانون كله هو البترون ومن أجله قرّرنا منع عدد هائل من المواطنين من التعبير عن آرائهم”. هذا التصفيق ترافق مع ابتسامات عريضة. كلام الجميّل “فش خلق” نواب الراية الصفراء الذين كانوا من أشدّ المعارضين للصوت التفضيلي على أساس القضاء وجهدوا لإقراره على أساس الدائرة. إلا أنّ هذه الفرحة لم “تقرّش” بالتصويت للصوت التفضيلي على أساس الدائرة، عندما طرحه رئيس المجلس النيابي، بناء على طلب الشيخ سامي. فهناك اتفاق الضرورة السياسي، بغضّ النظر عن تحفظ الثنائي الشيعي على ذلك.

في الغد، ستنصرف القوى السياسية إلى حسابات إدارة المعركة الانتخابية، حيث لكلّ من الفرقاء قلقه الخاص. قلق التحالفات. قلق اختلاط الأوراق. قلق تراجع حجم الكتل.

تقرّ المكوّنات كافة وعلى رأسها رئيس “الوطني الحر” بأنّ المولود الجديد ضعيف. فهذا المولود يعاني من مشاكل في بنيته التشريعية. ولذلك ثمة حاجة ماسّة للجنة وزارية تمثل القوى الأساسية التي أنتجت القانون، ستجتمع بعد أسبوعين لمعالجة عيوب القانون بهدوء وروية. فهذا القانون يعاني من أخطاء لغوية وقانونية وأخطاء سقطت سهواً استغرقت أكثر من ساعتين لتصحيحها، وكأنّ أصحاب المشروع المؤلف من 70 صفحة أعدّوه على الدرج، كما قال الجميّل.

(هتاف دهام – البناء)