جريدة الكترونية تأسست
1/1/2015
الرئيسية / أبرز الأخبار / الراتب لم يعد يكفي ليسمى معاشا.. ليُعاش فيه.
IMG-20260226-WA0000

الراتب لم يعد يكفي ليسمى معاشا.. ليُعاش فيه.

كتب محسن السقال- Lebanon On Time :

الرواتب وصلت… والجيوب فارغة..
لفتني بيان وزع على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، جاء فيه بكل فخر واطمئنان: “تم تحويل رواتب جميع العاملين في القطاع العام والأسلاك العسكرية كافة، وكذلك معاشات المتقاعدين، وبات بإمكانهم سحب رواتبهم اعتبارا من صباح غد الخميس 26 شباط الجاري.

يا لروعة الإنجاز.. يا لعظمة الحدث.. كأننا أمام بشرى تاريخية تدخل البلاد عصر الرفاه.
شكرا لناشر الإعلان.. شكرا للدوائر المالية.. شكرا دولة الرئيس..شكرا وزير المال.. شكرا لكل مسؤول يعمل ولا يدري ماذا يفعل.

مبروك علينا جميعا ولكل موظفي القطاع العام والاسلاك العسكرية هذا “الإنجاز المالي” العظيم، الرواتب حولت، والصور التذكارية التقطت، والبيانات وزعت بكل فخر، أما الأسعار فسبقت الجميع إلى جيوبنا، وأخذت حصتها كاملة غير منقوصة.

لا بأس… سنقبض الراتب صباحا، ونودعه مساء.
سنشكر المسؤولين على “الزيادة” على الضرائب، ثم نعتذر من أولادنا لأن الزيادة الفعلية لم تصل إلى مائدة البيت.
وسنقتنع أخيراً أن العبقرية الاقتصادية لحكامنا تكمن في أن تدفع للمواطن بيد، وتأخذ منه بيدين… ثم تطلب منه أن يصفق بحرارة وشكر الوالي واصحاب الفضل.

هل يعلم أصحاب الفضل أن سعر كيلو لحم العجل تخطى المليون ونصف المليون ليرة؟ بعد فرض الضرائب الجديدة، وأن الدجاج ارتفع أكثر من عشرين في المئة؟ وأن صفيحة البنزين زادت ثلاثمئة ألف ليرة دفعة واحدة؟ وأن زيادة الواحد في المئة على الـTVA لم تكن تفصيلا عابرا، بل قفزة جديدة في مسلسل استنزاف القدرة الشرائية؟
هل يعلمون أن سعر صفيحة البنزين وحدها كفيل بابتلاع جزء وازن من أي “زيادة” مزعومة، وأن الخضار والفواكه وسائر المواد الغذائية تسابقت في سباق الأسعار منذ لحظة الإعلان عن الضرائب الجديدة؟

يقال ان هذه الإجراءات وفرض الضرائب جاءت “لدعم” موظفي القطاع العام والعسكريين والمتقاعدين، أي دعم هذا الذي يبدأ بيد الدولة اليمنى وينتهي بيدها اليسرى؟ أي زيادة تلك التي لم تكد تعلن حتى سبقتها موجة ضرائب ورسوم رفعت الأسعار قبل أن يصل الراتب إلى جيب صاحبه؟

المفارقة الأكثر سخرية أن الموظف قبض راتبه على “القديم”، لكنه بدأ يدفع الضرائب على “الجديد” قبل أن يراه ويدخل في “جيوبه الممزقة”، وكأن المطلوب منه أن يمول زيادته بنفسه، وأن يصفق للقرار فيما فاتورة السوق تتضخم كل صباح.

البيان احتفى بتحويل الرواتب، لكن أحداً لم يتحدث عن تحويل حياة الناس إلى معادلة مستحيلة: راتب يتآكل قبل أن يصرف، وأسعار تركض بلا ضوابط، وضرائب تفرض تحت عنوان الإنقاذ فيما المواطن “المعتر” هو من ينقذ الخزينة كل يوم من جيبه.

ليست المشكلة في تحويل الرواتب، فهذا حق بديهي لا منة فيه لأحد، المشكلة في عقلية تعتبر دفع المستحقات إنجازاً، فيما الكلفة المعيشية تلتهم أي زيادة وتعيد الموظف إلى نقطة الصفر… أو ما دونها.

في النهاية، سيذهب الموظف صباح الخميس إلى المصرف، سيقبض راتبه، سينظر إليه لحظة، ثم سيبدأ بتسديد ما ترتب عليه من زيادات في الأسعار والضرائب، هكذا ببساطة: قبض على الورق، ودفع في الواقع… وبين الاثنين، تضيع كرامة راتب لم يعد يكفي ليسمى معاشا.. ليُعاش فيه.