جريدة الكترونية تأسست
1/1/2015
الرئيسية / أبرز الأخبار / طرابلس… مدينةٌ تُقاوم السقوط وحيدةً بين الإهمال والفقر والانفجار الاجتماعي
IMG-20260518-WA0012

طرابلس… مدينةٌ تُقاوم السقوط وحيدةً بين الإهمال والفقر والانفجار الاجتماعي

خاص Lebanon On Time _ خالد أبو شام

في كل مرة يُذكر فيها اسم طرابلس، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: كيف يمكن لمدينة بهذا الحجم والتاريخ والطاقة البشرية أن تبقى غارقة في أزماتها إلى هذا الحد؟ فالعاصمة الثانية للبنان لم تعد تعاني من أزمة عابرة، بل من تراكم طويل للإهمال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، حتى بات الفقر فيها مشهدًا يوميًا لا يحتاج إلى تقارير لإثباته، بل يكفي المرور في شوارعها القديمة وأسواقها وأحيائها الشعبية لفهم حجم الانهيار.

طرابلس اليوم ليست فقط مدينة فقيرة، بل مدينة تُدفع تدريجيًا نحو التعب والانفجار. شبابٌ بلا فرص، أبنية مهددة بالسقوط، بطالة متصاعدة، وهجرة تأكل ما تبقى من طاقات. أما الدولة، فتتعامل مع المدينة وكأنها ملف مؤجل دائمًا؛ تُزَار عند الكوارث، وتُنسى عند وضع الخطط والميزانيات والمشاريع.

المفارقة القاسية أنّ المدينة التي تمتلك أحد أهم المرافئ في شرق المتوسط، وأسواقًا تاريخية، وطاقات علمية وثقافية هائلة، ما تزال تُدار بعقلية “الإطفاء المؤقت للحرائق”. فلا مشروع إنمائي حقيقي، ولا رؤية اقتصادية واضحة، ولا حتى معالجة جدية للبنية التحتية المتهالكة التي تحوّلت إلى خطر يومي على الناس.

ولعلّ أكثر ما يكشف عمق الأزمة هو ملف الأبنية الآيلة للسقوط، الذي عاد مؤخرًا ليخطف الاهتمام بعد حوادث وانهيارات أثارت خوف السكان. فالعائلات التي تعيش تحت أسقف متصدعة لا تملك ترف الانتظار، بينما تتحول الاجتماعات الرسمية إلى بيانات متكررة لا تغيّر شيئًا في الواقع. هنا، لا يعود الحديث عن أزمة إسكان فقط، بل عن شعور كامل لدى أبناء المدينة بأنهم متروكون لمصيرهم.

وفي موازاة الفقر، يبرز أمر أكثر خطورة: التحول الاجتماعي الصامت داخل المدينة. فحين يغيب الأمل، تتغيّر الأولويات، وتتآكل الثقة بالمؤسسات، ويصبح أي توتر صغير قابلًا للتحول إلى أزمة كبيرة. لهذا، فإنّ الخطر الحقيقي في طرابلس ليس أمنيًا فقط، بل نفسي واجتماعي أيضًا؛ مدينة كاملة تشعر أنّها خارج حسابات الدولة.

ومع ذلك، تبقى طرابلس مدينة عصيّة على الانكسار. ففي كل حيّ مبادرة، وفي كل أزمة من يمدّ يده للناس، من جمعيات وأطباء ومتطوعين وشباب يحاولون إبقاء المدينة واقفة رغم كل شيء. وربما هنا تكمن المفارقة الأجمل: الدولة غائبة، لكن المجتمع لم يسقط بعد.
اليوم، لا تحتاج طرابلس إلى خطابات تعاطف جديدة، بل إلى قرار حقيقي يعيدها إلى قلب الدولة لا إلى هامشها. لأن استمرار هذا الإهمال لا يعني فقط خسارة مدينة، بل خسارة نموذج اجتماعي كامل لطالما شكّل جزءًا أساسيًا من هوية لبنان الشمالية والوطنية.

وفي بلدٍ يعيش على حافة الانهيار، تبدو طرابلس وكأنها المرآة الأكثر صدقًا لما وصل إليه لبنان… مدينة تتعب كثيرًا، لكنها ما تزال تحاول ألّا تسقط.