جريدة الكترونية تأسست
1/1/2015
الرئيسية / جريدة اليوم / الاقتصاد اللبناني في ظل أوضاع مبهمة
مجهول

الاقتصاد اللبناني في ظل أوضاع مبهمة

 

عامر ذياب التميمي

كيف يمكن للبنانيين أن يتعاملوا مع أوضاعهم الاقتصادية في ظل معطيات سياسية مبهمة؟ مرت سنوات ولم تتحسن الظروف السياسية التي يمكن أن تنشّط الاستثمار المحلي والأجنبي أو تعزز تدفق السياح إلى البلد. لكن من يزور لبنان، وخصوصاً بيروت، يجد الأسواق تعج بالمتسوقين وهناك مستويات استهلاك جيدة. كذلك لا يزال الكثير من المواطنين يقترضون الأموال لاقتناء المساكن. يقابل ذلك تدهور في الخدمات ومصاعب تواجه المؤسسات التعليمية والصحية ومؤسسات الخدمات الأخرى. يضاف إلى ذلك عبء اللاجئين السوريين الذين تدفقوا إلى لبنان منذ بدء الصراع في سورية عام 2011، وتقدر أعدادهم بنحو مليونين، غالبيتهم من الفقراء أو المعوزين. وتواجه الحكومة اللبنانية مصاعب مهمة في توفير التعليم والرعاية الصحية والسكن لهؤلاء اللاجئين، خصوصاً أن الدعم الدولي ما زال خجولاً ولا يرقى إلى متطلبات العناية المناسبة.

لا شك في أن هذا الحضور السوري الكبير في لبنان أوجد منافسة صعبة في سوق العمل، إذ يتمتع السوريون بإمكانات مهنية جيدة في الأعمال الإنشائية والأعمال الصناعية البدائية، وأهم من ذلك قبولهم أجوراً قد تكون متدنية للكثير من اللبنانيين. لا شك في أن هذا التواجد الكبير للسوريين في لبنان، يمثل أيضاً قلقاً سياسياً في بلد لا يتجاوز عدد سكانه الأربعة ملايين شخص ولا تزيد مساحته الإجمالية على العشرة آلاف كيلومتر مربع.

هناك ما يمكن اعتباره إيجابياً في شأن الواقع الاقتصادي اللبناني. فقد نشر أخيراً تقرير يؤكد أن تحويلات المغتربين في الخارج بلغت 7.3 بليون دولار عام 2016. وتمثل هذه التحويلات ما يعادل 14.1 في المئة من قيمة الناتج المحلي الإجمالي المقدر بـ52 بليون دولار. وتبلغ تحويلات اللبنانيين المقيمين في السعودية 20 في المئة من قيمة تلك التحويلات. ولا شك في أن هذه الحقيقة تؤكد أن مساهمة اللبنانيين المقيمين في السعودية وبلدان الخليج تشكل أهمية اقتصادية لا يمكن تجاهلها. وهذه التحويلات المالية يمكن أن تعزز الأرصدة النقدية في لبنان والتي قدرت في نهاية 2016 بحدود 48 بليون دولار. لكن هناك التزامات تجاه العالم الخارجي ناتج عن الديون الخارجية التي قدرت بنحو 41 بليون دولار. ولا بد أن تعمل السلطات اللبنانية على تطوير الأوضاع السياسية لتعزيز الثقة بالاقتصاد اللبناني وزيادة تدفق الإستثمارات المباشرة. كذلك هناك قلق من المديونية الحكومية والتي تصل إلى 84 بليون دولار أو 161 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ولا يمكن مواجهة هذه الالتزامات الباهظة من دون إصلاح أوضاع الحياة السياسية ومواجهة الفساد المالي والإداري وكبح الهدر في الإنفاق. وأهم من كل ما سبق ذكره تعزيز القدرة على تحصيل الضرائب على الدخل والضرائب الأخرى كافة. ولا تزال الموازنة العامة للدولة تنتج عجزاً مهماً يقارب خمسة بلايين دولار أو 8.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

ظل لبنان منذ الاستقلال في منتصف أربعينات القرن الماضي يمثل بلداً سياحياً جاذباً. وتساهم الخدمات في الاقتصاد اللبناني بـ60 في المئة من قيمة الناتج المحلي الإجمالي، وقد كانت تمثل 70 في المئة من ذلك الناتج في بداية سبعينات القرن الماضي، قبل الحرب الأهلية. وأصبحت السياحة الآن ، وهي جزء من الخدمات، تساهم بنحو 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بعد أن تراجعت أعداد السياح. ويحاول أصحاب الفنادق والعاملون في هذا القطاع والقطاعات الأخرى ذات الصلة تنشيط التدفق السياحي إلى البلاد من خلال تنظيم المعارض وتشجيع عقد الندوات والمؤتمرات والاحتفالات الفنية. لكن عزوف الأوروبيين والأميركيين لأسباب تتعلق بالأمن، عطل من رفع مساهمة السياحة في الاقتصاد اللبناني. يضاف إلى ذلك أن أعداد الزائرين من بلدان الخليج لا تزال دون المستوى المنشود، على رغم أن الكثير من أثرياء الخليج والمنتمين للطبقة الوسطى في هذه البلدان يملكون مساكن تتفاوت بين القصور والفلل والشقق في مختلف المناطق اللبنانية. وهناك في لبنان إمكانات لتطوير قطاعات أخرى مثل قطاع الصناعات وكذلك قطاع الخدمات المالية.

اللبنانيون، الآن، ربما تكيفوا مع الحقائق الاقتصادية الراهنة وأصبحوا يعتمدون على فاعلياتهم ومساهماتهم وأصبحوا يمثلون قوة شرائية مهمة للكثير من المنشآت الوطنية. الأوضاع الاقتصادية قد تتحسن بعد تعافي الأوضاع السياسية المحلية والإقليمية لكن التحديات الراهنة تفرض تكيفاً قد لا يكون مريحاً لفئات واسعة من المواطنين وقد لا يمّكن الدولة من مواجهة الإلتزامات المهمة على الأمد القصير.