جريدة الكترونية تأسست
1/1/2015
الرئيسية / جريدة اليوم / الجيش للشعب وليس لسلطةٍ فاسدة
بشارة شربل

الجيش للشعب وليس لسلطةٍ فاسدة

بشارة شربل:

 

 

نعرف منذ أيام الثورة الأولى أن “منظومة الفساد والإفساد” المتحكمة برقاب اللبنانيين تريد “كسر” جل الديب، وأنّ كل لطفٍ مورس ضد المتظاهرين هناك ما كان إلا مراوغة في انتظار تنفيذ قرار متّخذ، وهو وجوب رضوخ الذوق وجل الديب مهما كان الثمن حتى ولو سالت الدماء.
لكن الثمن غالٍ، والجيش يدفع من هيبته كلّما مارس عنفاً غير مشروع ضد الشابات والشبان. فليس من الشجاعة أن ينهال العسكر بضربٍ وحشيّ على عزّلٍ وأن تكسر العصي رؤوس مواطنين سلميين. وليس من شيم الجيش اللبناني ممارسة سلوك الأنظمة القمعية.
منذ اشتعلت هذه الانتفاضة الوطنية الصادقة ضدّ سلطة “الحرب الأهليّة” كنتم واثقين من قدرة الميليشيات على حرق خيم وسط بيروت، ومحاصرة الساحات جنوباً وبقاعاً، وأينما اعتبرتم احتجاجات الناس اختراقاً لبيئةٍ أُغلقت منافذها. ولأن الثورة لم تنطفئ بل تجددت وتوسعت، تريدون “كسر” جل الديب بعدما شكلت “واسطة العقد” ونقطة حاسمة التأثير.
الطريق الساحلي ووسط بيروت عصب الثورة الواجب القطع في عقولكم التآمرية. وما تبقى، وإن بحجم مدينة طرابلس أو صيدا أو حلبا أو غيرها، فكلُّه مجرّد أطراف. هكذا فكّر جنرالات الجزائر في التسعينات، وهكذا توهّم حليفكم النظام السوري منذ اندلعت ثورة شعبه ضد الطغيان. وهكذا تخال كل سلطة فقدت مشروعيتها وباتت الديكتاتورية طريقها الوحيد للبقاء.
حوَّلتم قطع الطرقات الى جريمة واستندتم الى حججٍ واهية لتبرّروا قمع هذا الشكل من الاحتجاج الذي لولاه لما استقالت حكومة ولا خطر في بالكم أنّ شعباً انتفض لاستعادة دولته من براثن مفترسيها، فيما جرائمكم في السرقة والنهب والهدر وتضييع مستقبل اللبنانيين معفية من أي حساب ولم تدرجوها في “سجلّ الأخلاق” التي تنادون بها، ولا افترضتم أنها انتهاك لحقوق الانسان.
إعتبرتم الشتيمة كفراً وحراماً وانتهاكاً لقدس الأقداس، فيما ممارساتكم اليومية المؤدية الى الإفقار والإنتحار والإنهيار، مجرّد أخطاء بسيطة ناجمة عن عرقلة نواياكم في الاصلاح.
ناشدناكم مراراً ترك الجيش جيشاً للدولة وليس للنظام. ونكرر اليوم أتركوه بإمرة قائده ولا تجرّبوا اختراقه بالولاءات. أتركوه محاطاً باحترام اللبنانيين. أتركوا اللبنانيين يعتبرونه دائماً رمز العزة والنزاهة وسبيلاً لخلاص لبنان. ولكنكم تصرّون على استخدامه خلافاً للقانون متناسين أنّ العنف حين يصبح واقعاً تصبح الثورة حقاً من الحقوق، ومتوهّمين أنّ باعتقالكم مجموعة ثوار تعتقلون ثورةً أزهرت في كلّ حيّ وكلّ دار.
جل الديب لن تنكسر. ليس لأن العين تستطيع مقاومة المخرز، بل لأنّ إرادة الحق والحرية أقوى من العصا والاعتقال. ولكم في تجارب التاريخ مثال.
لن تخضع جل الديب، لأنّها صارت العنوان، وهي كشفت نواياكم بإصرارها وعنادها وإرادة شبابها الثائرين. فكلّ دقيقة قطع طريق في جل الديب اختزلت من عمر السلطة الفاسدة أياماً، وكل دولاب احترق كان شعلة لإضاءة مستقبل. أما إذا أصررتم على القمع، فكل شتيمة ضد أحد الفاسدين منكم قد تصبح قصيدةً جديرةً بالإنشاد.