جريدة الكترونية تأسست
1/1/2015
الرئيسية / أبرز الأخبار / توفيق دبوسي… حين أصبحت أحلامه أكبر من حدود لبنان
IMG-20261002-WA0010

توفيق دبوسي… حين أصبحت أحلامه أكبر من حدود لبنان

كتب محسن السقال- Lebanon On Time : 

هذا المقال ليس للتزلف، ولا لتبييض الصفحات، بل هو شهادة أكتبها عن رجل عرفته منذ عشرات السنين، وتابعت مسيرته منذ أن كان عضوا في مجلس إدارة غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس والشمال، ورئيسا لمجالس إدارة عدد من الشركات.

توفيق دبوسي لم يصل إلى ما وصل إليه بين ليلة وضحاها. وكما يقول المثل، بدأ من تحت وصعد السلم درجة درجة، حتى بلغ ما بلغه اليوم. كان رجلا ناجحا في عمله قبل أن يصل إلى سدة المسؤولية في الغرفة، وحمل معه إلى موقعه الجديد خبرة رجل يعرف عالم الأعمال، ويدرك أن النجاح لا يبنى بالشعارات وحدها، بل بالعمل والمثابرة والرؤية.

وحين تسلم زمام المسؤولية في الغرفة، لم يتعامل معها باعتبارها مؤسسة يقتصر دورها على خدمة التجار والصناعيين وإنجاز المعاملات، بل انطلق من رؤية أوسع بكثير: أن تتحول الغرفة إلى مساحة لصناعة الأفكار والمبادرات والمشاريع،
وباتت الغرفة محطة أساسية لا تكاد تغيب عن أجندة زوار طرابلس والشمال، من مسؤولين سياسيين ووزراء وسفراء ووفود دبلوماسية واقتصادية، في دلالة على المكانة التي باتت تحتلها والدور الذي تؤديه،
الى جانب ان تصبح طرابلس والشمال نقطة انطلاق لدور اقتصادي يتجاوز حدود المدينة والمنطقة إلى لبنان ومحيطه العربي والدولي.

وعلى امتداد السنوات، اتسعت دائرة عمل الغرفة وتنوعت مشاريعها وخدماتها، من مختبرات مراقبة الجودة ومركز التطوير الصناعي وسلامة الغذاء وحاضنات الأعمال، إلى مشاريع ومبادرات تستهدف قطاعات الزراعة والصناعة والابتكار والاستثمار، وقد وصفت وزارة الاقتصاد، خلال زيارة رسمية عام 2020، هذه المشاريع بأنها تسعى إلى جعل طرابلس “رافعة للاقتصاد الوطني”.

ولم يكن طموح دبوسي محصورا بين جدران الغرفة، بل ارتبط منذ سنوات بمشروع أكبر عنوانه “طرابلس عاصمة لبنان الاقتصادية”، وبفكرة الاستفادة من الموقع الجغرافي لطرابلس الكبرى ومرافقها وإمكاناتها لإعادة رسم دورها على الخريطة الاقتصادية.

وفي عرض موثق لاتحاد الغرف اللبنانية عام 2018، تحدث دبوسي عن رؤية تمتد جغرافيا من جنوب البترون وصولا إلى الحدود الشمالية مع سوريا، وترتكز على مجموعة من المشاريع الاستثمارية والاستراتيجية.

لكن، وللأسف، كان الطموح واسعا فيما بقي القرار في بلدنا مترددا.. وكثيرا ما كانت الرؤية تسبق قدرة الدولة على اتخاذ القرار والتنفيذ.

من غرفة محلية إلى منصة ذات حضور أوسع

ما يلفت في تجربة الغرفة خلال رئاسة دبوسي هو السعي المستمر إلى تجاوز المفهوم التقليدي للغرف التجارية. فالمؤسسة باتت تستقبل وزراء وسفراء ووفودا اقتصادية واستثمارية، وتطرح أمامهم مشاريع ترتبط بمرفأ طرابلس، ومطار الرئيس رينيه معوض في القليعات، والمنطقة الاقتصادية الخاصة، وقطاعات الطاقة والنقل والصناعة والزراعة والتكنولوجيا وغيرهم وغيرهم.

وفي عام 2024، قالت الوزيرة السابقة زينة عكر، بعد جولة على مشاريع الغرفة، إن الدور الذي تقوم به غرفة طرابلس والشمال أصبح “أكبر بكثير” من الدور الأساسي المناط بالغرف التجارية، معتبرة أن المشاريع المطروحة تستهدف إنعاش طرابلس والشمال ولبنان.

كما وصف وزير الزراعة نزار هاني، خلال زيارته للغرفة في آب 2025، ما شاهده فيها بأنه نموذج يرتبط بالحداثة والتقنيات المتقدمة، مشيرا إلى مختبرات الجودة والذكاء الاصطناعي واحتضان الأعمال الزراعية.. الى جانب فاعليات سياسية واقتصادية واجتماعية وسفراء تحدثوا بنفس الاسلوب.

أحلامه لطرابلس… أكبر من لبنان

ربما تختصر هذه العبارة جوهر رؤية توفيق دبوسي. فهو ينظر إلى طرابلس لا باعتبارها مدينة تنتظر مشاريع الدولة فحسب، بل باعتبارها مدينة تمتلك من المقومات ما يؤهلها لتكون بوابة اقتصادية للبنان على المنطقة والعالم.

فالمرفأ، بالنسبة إليه، ليس مجرد مرفق محلي، والمطار ليس مشروعا خاصا بعكار والشمال، والمنطقة الاقتصادية ليست مجرد مساحة جغرافية منفصلة.. بل هي جميعا أجزاء من منظومة اقتصادية متكاملة، إذا أُحسن استثمارها، يمكن أن تغير وجه طرابلس والشمال وتساهم في تغيير وجه الاقتصاد اللبناني.

وقد تضمنت الطروحات التي عرضها دبوسي على مر السنوات توسيع دور مرفأ طرابلس، وتطوير مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات، والاستفادة من المنطقة الاقتصادية الخاصة، إلى جانب تصورات مرتبطة بالنفط والغاز والصناعة والخدمات والسياحة والمعرض وسكة الحديد ومصفاة البداوي.

ومن هنا، تبدو أحلامه لطرابلس والشمال أكبر من الحدود اللبنانية.. إذ تقوم رؤيته على ربط المدينة بالمحيط العربي وشرق المتوسط والأسواق الدولية، وتحويل موقعها الجغرافي من مجرد ميزة على الخريطة إلى عنصر قوة وإنتاج واستثمار وتجارة.

وحتى في عام 2026، بقي هذا الخطاب حاضرا في مواقف دبوسي، إذ تحدث مع بداية العام عن “لبنان من طرابلس الكبرى”، وعن دور للمدينة يقوم على النمو والانفتاح والشراكة والتعاون على المستويات العربية والإقليمية والدولية.

وفي آب 2026، تحدث أيضا عن بناء شراكات اقتصادية واستثمارية مع دولة الإمارات، في سياق أوسع لدعم التعافي والنمو الاقتصادي اللبناني.

حين يكون الحلم مشروعا

لقد انتقلت غرفة طرابلس والشمال، في عهد دبوسي، إلى حضور يتجاوز الوظيفة التقليدية للغرف التجارية، وأصبحت مشاريعها ورؤاها موضع نقاش على المستويين الوطني والخارجي، كما أكد مجلس إدارتها عام 2022 دعمه للرؤية الاستراتيجية التي يقودها دبوسي، والساعية إلى تعزيز حضور الغرفة لبنانيا وعربيا ودوليا.

لكن قصة توفيق دبوسي مع طرابلس لا تختصرها المباني والمختبرات والمشاريع وحدها. إنها، في الأساس، قصة رجل آمن بأن حجم الطموح لا ينبغي أن يقاس بحجم الأزمات، وأن مدينة عانت طويلا من التهميش تستطيع، متى توافرت لها الرؤية والإرادة والشراكات، أن تتحول من مدينة تنتظر الإنماء إلى مدينة تساهم في صناعته.

IMG-20261002-WA0011

قد يختلف البعض مع دبوسي في فكرة أو مشروع أو مقاربة، وهذا أمر طبيعي، لكن ما يصعب تجاهله هو أن الرجل وضع طرابلس والشمال والغرفة في قلب نقاش اقتصادي أكبر من حدودهما الجغرافية، ورفع سقف الطموح إلى مستوى لم يعد السؤال معه.. ماذا تستطيع الدولة أن تقدم لطرابلس؟ بل ماذا تستطيع طرابلس أن تقدم للبنان والمنطقة.

توفيق دبوسي لم يحلم بغرفة أكبر لطرابلس فحسب؛ بل حلم بطرابلس أكبر في الاقتصاد، وأوسع في الحضور، وأبعد في الطموح.

ولذلك، حين يتحدث عن مستقبلها، تشعر أن حدود أحلامه لا تتوقف عند طرابلس، ولا عند الشمال، ولا حتى عند حدود لبنان.

إنها أحلام رجل يريد لطرابلس والشمال ولبنان مساحة للنمو والتطور، بعيدا من التباكي على الأطلال والاستسلام لواقع الأزمات.. بل أن تستعيد طرابلس والشمال المكانة التي تليق بتاريخهما وإمكاناتهما، وأن يكون لهما موقع فاعل ومؤثر على خريطة الاقتصاد العربي والدولي.