جريدة الكترونية تأسست
1/1/2015
الرئيسية / أبرز الأخبار / نواب يطعنون بحقوق من أفنوا أعمارهم في خدمة الدولة
IMG-20260823-WA0000

نواب يطعنون بحقوق من أفنوا أعمارهم في خدمة الدولة

كتب محسن السقال- Lebanon On Time :

فراس حمدان، ملحم خلف، سليم الصايغ، نجاة عون صليبا، مارك ضو، إبراهيم منيمنة، وضاح الصادق، حيدر ناصر، ميشال الدويهي وسينتيا زرازير… عشرة نواب اجتمعوا، ويا ليت اجتماعهم كان لإقرار قانون يعيد إلى موظفي الدولة شيئا من حقوقهم المنهوبة، أو لإنصاف من أفنوا ثلاثين وأربعين عاما من أعمارهم في خدمة الإدارة العامة. لكنهم اجتمعوا هذه المرة للطعن بالقانون رقم 49/2026 المتعلق بإخضاع المتعاقدين لشرعة التقاعد.

يقولون إنهم فعلوا ذلك “حرصا على الدستور ومبادئ المساواة وتكافؤ الفرص”.

كلام جميل، بل شديد الجمال على الورق. لكن أين كانت هذه الغيرة على المساواة عندما انهارت رواتب موظفي القطاع العام وتعويضاتهم ومدخراتهم؟ وأين كان هذا الحرص على العدالة عندما وجد موظف خدم الدولة عشرات السنين نفسه في نهاية خدمته أمام تعويض لا يكفيه لتأمين أبسط مقومات العيش؟

أي عدالة هذه التي تبدأ بالطعن في حق موظف أنهكته سنوات الخدمة، بدلا من أن تبدأ برفع الظلم عن سائر الموظفين؟

إذا كان القانون يتضمن ثغرات دستورية أو تمييزا بين فئات متشابهة، فالمطلوب من النائب أن يبادر إلى تشريع يعالج الخلل ويوسّع دائرة الإنصاف، لا أن تكون النتيجة العملية للطعن تعليق أمل فئة من الناس انتظرت طويلا أبسط حقوقها الاجتماعية والتقاعدية، هل يعلم هؤلاء النواب ان تعويض الموظف الذي امضى ثلاثين سنة او اربعين سنة لا يتجاوز الالف دولار.

كان الاجدر بهؤلاء النواب العشرة أن يجتمعوا بالاندفاع نفسه، وأن يحملوا الأقلام نفسها، ويتوجهوا إلى المجلس النيابي باقتراح قانون شامل ينصف كل من خدم الدولة، متعاقدا كان أم مياوما أم موظفا في الملاك، بدلا من أن يظهروا أمام الناس وكأن معركتهم هي وقف استفادة فئة بدل تعميم العدالة على الجميع.

ثم من حق المواطن أن يسأل هؤلاء النواب: ماذا قدمتم خلال سنوات وجودكم في البرلمان لمعالجة الانهيار الذي أصاب موظفي القطاع العام والمتقاعدين؟ أين القوانين التي تعيد للراتب قيمته ولتعويض نهاية الخدمة معناه؟ أين الإصلاحات التي تجعل الموظف قادرا، بعد عقود من العمل، على أن يعيش شيخوخته بكرامة بدلا من أن يقف على أبواب الدولة طالبا مساعدة أو منة؟ وحضرتكم عندما تنتهي ولايتكم ستستمرون بقبض راتبكم مدى الحياة وحتى لو لم تنجحوا بالانتخابات المقبلة..

النائب لا ينتخب ليشرح للناس حجم المأساة، ولا ليكتفي بالخطب والمواقف والشعارات. الناس تعرف مأساتها جيدا لأنها تعيشها كل يوم. النائب ينتخب ليشرع ويحاسب ويغير.

وهنا تبرز مفارقة يصعب على المواطن ابتلاعها: موظف أمضى ثلاثين أو أربعين عاماً في خدمة الدولة يخشى على تعويضه وتقاعده ومستقبل عائلته، فيما يتمتع النائب طوال ولايته بمخصصات وامتيازات يراها المواطن بعيدة كل البعد عن واقعه المعيشي. لذلك، قبل الحديث عن المساواة، يجب أن تبدأ المساواة من فوق أيضا، لا أن تطلب دائماً من أصحاب الرواتب والتعويضات المنهارة.

فيا أصحاب الطعن، إن كنتم ترون أن هناك فئة ظلمت لأن القانون أنصف فئة أخرى، فأنصفوا المظلوم ولا تسحبوا الحق ممن حصل عليه. ساووا الناس إلى الأعلى، لا إلى الأسفل. أعطوا المحروم حقه، بدلا من تحويل المساواة إلى حجة يخشى معها المستفيد أن يفقد حقا انتظره سنوات.

الناس لم تعد تريد بطولة في الكلام، ولا بيانات مصقولة بالمصطلحات الدستورية والقانونية. تريد نائبا يشعر بوجع الموظف عندما يصبح تعويض عشرات السنين رقما هزيلا، وبخوف الأب والأم عندما يخرجان من الوظيفة ولا يعرفان كيف سيؤمنان الدواء والطعام ومتطلبات الحياة.

إن كان القانون معيبا، أصلحوه.
إن كان ناقصا، أكملوه.
إن كان يميز بين الموظفين، عمموا الحق والعدالة على الجميع.

لكن لا تجعلوا الموظف الذي أفنى عمره في خدمة الدولة يدفع مرة جديدة ثمن عجز الدولة وتشريعاتها وأزماتها.

فهؤلاء لم يطلبوا امتيازا، ولم يطلبوا ثروة. إنهم يطالبون بأن يكون لثلاثين أو أربعين عاما من العمل قيمة في نهاية الطريق.

وإذا كان هذا كثيرا عليهم، فعن أي عدالة نتحدث؟

عيب أن تصبح حقوق من خدموا الدولة طوال عمرهم مادة للطعن، فيما كان الأولى أن تصبح قضيتهم مادة لتشريع تاريخي يعيد إليهم كرامتهم.. والسلام..