Lebanon On Time _ كتب خالد أبو شام:
لم يعد المشهد في جنوب لبنان مجرّد اشتباك عسكري عابر، بل تحوّل إلى واقعٍ أمنيّ هشّ تتنازعه هدنةٌ على الورق وحربٌ مستمرّة في الميدان. فبينما أُعلن عن اتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة أميركية، لا يتجاوز أفقه الزمني عشرة أيام، بقيت الوقائع اليومية تُكذّب الطمأنينة السياسية، حيث تتواصل الضربات الإسرائيلية وتُسجَّل خروقات تُعيد رسم معادلة النار كل ساعة.
في العمق، يبدو أنّ إسرائيل لا تتعامل مع الجنوب كجبهة مؤقتة، بل كمساحة لإعادة هندسة الواقع الأمني والديموغرافي. فطرح ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” يعكس توجّهًا لفرض شريط عازل داخل الأراضي اللبنانية، يمتد لعدة كيلومترات ويُفرغ القرى من سكانها، في محاولة لخلق منطقة نار مفتوحة تُدار أمنيًا وفق شروط إسرائيلية، هذا التحوّل لا يُقرأ فقط كإجراء عسكري، بل كسياسة طويلة الأمد تتقاطع مع تقارير تتحدث عن نية البقاء الإسرائيلي لفترة غير محددة في الجنوب، بانتظار نتائج التفاوض.
لكن الكلفة الأثقل لهذه المعادلة يدفعها المدنيون. أكثر من مليون نازح داخل لبنان، أي ما يقارب خمس السكان، وجدوا أنفسهم بين خيارين قاسيين: النزوح القسري أو العودة إلى منازل مدمّرة ومناطق غير آمنة، هؤلاء لا ينتظرون بيانات سياسية، بل ضمانات فعلية: سقف يحميهم، وأرض لا تتحول إلى ساحة قتال في أي لحظة. ومع ذلك، فإنّ مشهد العودة الجزئية للنازحين يبقى محفوفًا بالمخاطر، حيث تختلط فرحة الرجوع برعب الألغام والدمار وانعدام الاستقرار.
في موازاة ذلك، تدور في واشنطن مفاوضات توصف بـ”التحضيرية”، لكنها في حقيقتها تعكس فجوة عميقة بين المسار السياسي والواقع الميداني. لبنان يطالب بوقف كامل لإطلاق النار كمدخل لأي اتفاق، فيما ترفض إسرائيل تقديم هذا الالتزام، مكتفية بخفض التصعيد في بعض المناطق، أما داخليًا، فالمشهد أكثر تعقيدًا، مع انقسام واضح حول جدوى التفاوض أصلًا، في ظل رفض قوى أساسية لهذه المحادثات واعتبارها بلا جدوى.
وهنا، السؤال الذي يبقى معلّقًا: هل تنجح واشنطن في تحويل هدنةٍ هشّة إلى تسوية حقيقية، أم أنّ الجنوب مقبل على مرحلة طويلة من “اللا حرب واللا سلم”، حيث يبقى الإنسان الحلقة الأضعف في معادلة لا ترحم؟
Lebanon on time جريدة الكترونية مستقلة